حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
19
التمييز
تناولها تهم جميع المسلمين ، على الرغم من تناولها في كتب تصوف سابقة ، لكن ما يميز الكتاب الذي بين أيدينا هو الوضوح والسهولة في المعالجة وسرعة فهمه وتمثله من قبل القارئ أو السامع ، فلا نجد ذلك الإيغال المتعمد المعتمد على الفلسفة والغيبيات التي لجأ إليها بعض من المتصوفة الذي أخرجهم عن حد الاعتدال . علما أن ابن معن قد رجع إلى كثير مما قالوه ، وهذا الوضوح يعود إلى اعتماد المؤلف بشكل أساسي على القرآن الكريم والسنة الشريفة والتزامه بمنهج السلف الصالح في هذا المجال ، إلى جانب ثقافته الموسوعية في التفسير والحديث والفقه والفلسفة والأدب والشعر والطب وأقوال الرسل والأنبياء كموسى ، وداود وسليمان وعيسى عليهم السلام . وحكماء العرب والمسلمين والفرس واليونان ، وما يلفت الانتباه في هذا المجال كثرة الاقتباس من أقوال الإمام علي بن أبي طالب وبنيه . وكان نقله عن هذه المصادر يتسم بالتوازن والاعتدال ويدل على عقلية ناضجة علمية وآخذة بمنهج واضح . كان ابن معن يريد أن يصل بقارئ كتابه إلى أن التصوف أخلاق وسلوك وتربية نفسية ، وقد صاغ ذلك بشكل بسيط وواضح منذ شروعه بكتابه على النحو الآتي : « العاقل فطن متغافل ، يحسن أمر دينه ودنياه ، شكر الله على نعمائه وصبر على بلائه ، وأخلص في أعماله وصدق في أقواله ، والتجأ إلى الله في أحواله ، أظهر عفافه ، وأغناه كفافه ، تودد إلى الناس وغض عن الباس ، قبل النصيحة وخشي الفضيحة ، واستعمل الرفق في أموره ، مستصحبا القناعة مستقبحا الإضاعة ، ملازما للسنة والجماعة ، قبل الأمر بالسمع والطاعة ، إن عاش فعلى السنة ، وإن مات فإلى الجنة ، هذا حال الكيس الرئيس صاحب العقل النفيس » ( 68 ) . ويتضح أن ابن معن قد أعجب بطريقة عبد القادر الجيلاني ( ت 561 ه - 1166 م ) في ترتيب كتابه الغنية فقلده حيث كان يأتي بالباب ثم يليه بالفصل . ويورد المرادي العنوان الكامل لكتاب التمييز عند مدحه لمكانة ابن معن العلمية بقوله : « وكان بالمعارف ممن يشار إليه بالبنان لنظر الملوك عليه ولتربيته في ظلالهم وانتشائه من زلالهم . . . ومعرفة القوانين ومجاورة الأكابر